عادل عزيزي
منذ ما يزيد على عشرين عاما، ضممت إلى مكتبتي كتابا للأديبة السورية “يمان سباعي” بعنوان “الراقصون على جراحنا”، ولم أكن أدرك حينها كيف يمكن لأحد أن يرقص فوق آلام الآخرين، حتى قرأت الكتاب وتتبعت كيف استغل البعض جراح الأمة ومعاناتها لتمرير أفكارهم ومصالحهم، فالراقصون على الجراح كما تصفهم الكاتبة ليسوا غرباء دائما، بل قد يكونون من أبناء جلدتنا.واليوم، لم يعد الرقص على الجراح وحده هو المشهد المؤلم الذي يطالعنا، بل أصبحنا أمام نوع آخر من الرقص؛رقص على جيوب البسطاء، رقص على أحلام الأسر المغربية البسيطة التي كانت تنتظر عيد الأضحى بفرحته المعتادة، فإذا بها تصطدم هذا العام بواقع قاس عنوانه الغلاء والجشع والمضاربة.فالأسواق التي كانت تعج بالحركة والطمأنينة في مثل هذه الأيام، تحولت إلى فضاءات للقلق والتذمر، بعدما بلغت أسعار الأضاحي مستويات غير مسبوقة، حتى صار المواطن البسيط يقف مذهولا أمام الأثمنة، يتأمل الخروف كما لو أنه سلعة فاخرة لا علاقة لها بشعيرة دينية واجتماعية ظلت لعقود جزءا من ذاكرة المغاربة.وزاد من صدمة المواطنين ما تم تداوله من تصريحات منسوبة لوزير الفلاحة، أكد فيها أن ثمن “الحولي” يبدأ من 1000 درهم، غير أن واقع الأسواق يكشف أن الأسعار تتجاوز ذلك بكثير.لقد أصبح السؤال الذي يتردد في كل بيت: كيف وصل الحال إلى هذا المستوى؟ وكيف تحولت مناسبة دينية قائمة على الرحمة والتضامن إلى موسم لاستنزاف القدرة الشرائية للأسر؟صحيح أن هناك عوامل متعددة يرددها المهنيون، من ارتفاع أسعار الأعلاف، وغلاء النقل والتكاليف، وتداعيات سنوات الجفاف، لكن الصحيح أيضا أن هناك من وجد في الأزمة فرصة للاغتناء السريع، فاختلطت الحاجة بالجشع، وتحولت الأسواق إلى ساحة مفتوحة للمضاربة ورفع الأسعار دون حسيب أو رقيب.والمؤلم أكثر أن المواطن البسيط هو وحده من يؤدي الثمن كاملا؛ فالموظف محدود الدخل، والعامل البسيط، والأرملة، والمتقاعد، كلهم وجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية، إما الاستدانة من أجل شراء أضحية العيد، أو مواجهة نظرات الأطفال وأسئلتهم البريئة عن سبب غياب “حولي العيد” هذه السنة.إن أخطر ما في الأمر ليس فقط غلاء الأضاحي، بل ذلك الإحساس العام بأن الأسواق تركت بلا ضوابط حقيقية، وأن بعض السماسرة والوسطاء “الشناقة” صاروا يتحكمون في الأسعار كما يشاؤون..يرفعونها متى أرادوا..ويحتكرون ما أرادوا..بينما المواطن يراقب بصمت ويكتوي بنار الغلاء..؟وفي خضم هذا المشهد، يظهر من يبرر، ومن يهون، ومن يحاول إقناع الناس بأن الوضع عادي، وكأن معاناة الأسر مجرد أرقام عابرة لا تستحق الالتفات.هؤلاء أيضا يرقصون على معاناة الناس، تماما كما يرقص المحتكر على جيوب الفقراء، وكما يرقص السماسرة على تعب المواطنين وعرقهم.إن العيد ليس مناسبة لإثقال كاهل الناس، ولا موسما لاستعراض الجشع، بل هو قيمة دينية وإنسانية تقوم على الرحمة والتكافل والتراحم، وحين تتحول فرحة العيد إلى مصدر للقلق والحزن، فذلك يعني أن هناك خللا حقيقيا يحتاج إلى وقفة صادقة ومسؤولة.فالمغاربة اليوم لا يطلبون المستحيل، بل يريدون فقط أسواقا عادلة، وأسعارا معقولة، ورقابة حقيقية تضع حدا لكل من اعتادوا الرقص على جيوب الفقراء في كل موسم وكل أزمة.


تعليقات الزوار
0