صباح اليوم|كتاب وآراء

السياسة والقانون.. جدلية الصناعة والضبط

قانونية-حول-أزمة-دارفور-بين-السياسة-و-القانون-الدولي-الانساني-780×470

*”السياسة هي الحرب بدون إراقة دماء، والقانون هو الاتفاق الذي يمنع الحرب من العودة.”*  توماس هوبز

ينطلق هوبز من فكرة أن السياسة تدير الصراع بوسائل سلمية، وأن القانون هو الضمانة التي تمنع عودة هذا الصراع إلى شكله العنيف. ومن هنا تتضح الجذور المشتركة للمفهومين، والعلاقة الوثيقة التي تجمعهما، وغايتهما المشتركة في حفظ النظام العام واستقرار الدولة. لكن السؤال المطروح يبقى: إلى أي حد تؤثر السياسة في صياغة القانون؟ وما هي تجليات هذا التأثير؟ وهل يمتلك القانون بدوره القدرة على ضبط الفعل السياسي وتوجيهه؟ 1. علاقة تكاملية غير متكافئةالسياسة والقانون في المبدأ يتكاملان. فالسياسة هي فن تدبير الشأن العام وتسيير شؤون الدولة، بينما القانون مجموعة القواعد التي تنظم علاقات الأفراد فيما بينهم وعلاقتهم بالسلطة. عملياً، يتولى الفاعل السياسي مهمة إنتاج النص القانوني عبر تقديم مقترحات ومشاريع القوانين، في حين يتولى القانون ضبط حدود العمل السياسي وتأطيره. غير أن هذا التكامل لا يعني التوازن. فالمبادرة التشريعية تظل بيد السياسي، مما يجعل القانون في كثير من الأحيان تعبيراً عن الإرادة السياسية أكثر منه عن الإرادة المجتمعية. وهنا يبرز سؤال الرقابة: ما الآليات الكفيلة بمنع انحراف التشريع ليخدم مصالح ضيقة؟ وهل بقيت للتشريع قيود حقيقية، أم أنه صار خاضعاً بالكامل لتقديرات السياسيين المتأثرين بالتحولات الاقتصادية والرقمية وهيمنة رأس المال؟ 2. حين يتراجع القانون أمام الاعتبار السياسيتظهر هذه الإشكالية بوضوح في الملفات ذات الحساسية السياسية. ففي المغرب مثلاً، أثير جدل واسع حول سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع، وتمرير مقتضيات في القانون الجنائي تحدّ من حق الجمعيات في متابعة جرائم الأموال العمومية. مثل هذه الأمثلة تفتح الباب للتساؤل: هل وُضع القانون لخدمة المجتمع باعتباره قاعدة اجتماعية عامة، أم أصبح أداة لحماية الفاعل السياسي نفسه؟ فالمبدأ أن يعكس القانون إرادة المجتمع، ولا يُعقل أن تتجه هذه الإرادة إلى إعفاء المفسدين من المساءلة. 3. القانون كضابط للعمل السياسيفي المقابل، لا يمكن إنكار الدور التأطيري للقانون. فالقوانين المنظمة للانتخابات والأحزاب وممارسة العمل السياسي هي التي تحدد شروط المنافسة وضوابطها. وبدون هذا الإطار، تتحول السياسة إلى فضاء مفتوح للفوضى. لكن فعالية هذا الدور تبقى رهينة باستقلالية النص القانوني وقدرته على الصمود أمام ضغوط المصالح الاقتصادية والسياسية المتداخلة. خلاصةالواقع يشير إلى أن القانون يتأثر بالسياسة أكثر مما يؤثر فيها، وإن بدا العكس نظرياً. فمن يصوغ القانون هم المنتخبون السياسيون، ومن الطبيعي أن يحمل هذا القانون في طياته أولوياتهم ومصالحهم. يبقى التحدي في تقوية آليات الرقابة الدستورية والقضائية والمجتمعية، حتى لا يتحول القانون إلى انعكاس ظرفي للتوازنات السياسية، ويفقد وظيفته الأساسية كقاعدة عامة مجردة تهدف إلى تنظيم المجتمع وحماية الحقوق

بقلم: محمد الإدريسي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم