عادل عزيزي
ليست انتخابات 23 شتنبر بإقليم تاونات مجرد سباق انتخابي على ستة مقاعد برلمانية، بل تبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لخريطة سياسية تشكلت على مدى عقود، وكان حزب التجمع الوطني للأحرار أحد أبرز عناوينها.
فتاونات ظلت، لعقود طويلة، واحدة من أبرز القلاع الانتخابية لـ”الحمامة”، في مسار ارتبط بشكل خاص بعائلة عبو “الأب”، قبل أن يبرز محمد عبو “الإبن” بعد مرض الأب كأحد أبرز الوجوه التي قادت التنظيم التجمعي بالإقليم، وراكم حضورا انتخابيا وسياسيا كبيرا.
وبعد مرحلة عبو، ظهرت شخصية جديدة من داخل الدائرة نفسها تقريبا، ويتعلق الأمر بمحمد السلاسي، الذي انتقلت إليه مهمة التنسيق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار بتاونات سنة 2021، خلفا لمحمد عبو.
السلاسي لم يأت، إذن، من خارج البيت التجمعي، بل صعد من داخله، ونجح خلال السنوات الماضية في تولي مواقع انتخابية وتنظيمية مهمة، فقد انتخب رئيسا للمجلس الإقليمي لتاونات لولاية ثانية سنة 2021، ورئيسا لمجموعة الجماعات الترابية “التعاون”.
وبدا، في تلك المرحلة، أن انتقال القيادة من آل عبو إلى آل السلاسي لم يكن مجرد تغيير في الأسماء، وإنما محاولة لاستمرار النهج التنظيمي والسياسي نفسه، مع وجه جديد أكثر ارتباطا بالجيل الصاعد داخل “الحمامة”.
وقد تمكن محمد السلاسي بالفعل من الحفاظ على حضور قوي للحزب داخل عدد من المؤسسات المنتخبة، خصوصا خلال المرحلة التي كان فيها صالح داحا عاملا على إقليم تاونات، وهي الفترة التي تزامنت مع إعادة انتخاب السلاسي رئيسا للمجلس الإقليمي سنة 2021 و رئيس لمجموعة جماعات التعاون.
لكن هنا تطرح انتخابات 2026 سؤالا مختلفا، هل كان السلاسي هو من حافظ على تماسك البيت التجمعي خلال هذه المرحلة، أم أن عوامل أخرى كانت توفر لهذا البيت قدرا من الاستقرار؟
فبعد مغادرة صالح داحا، بدأت تظهر على السطح مؤشرات جديدة في المشهد السياسي المحلي، بالتزامن مع تحولات داخل “الأحرار” وانتقال عدد من الوجوه من الحزب إلى “الأصالة والمعاصرة”، وفي مقدمتهم محمد عبو نفسه، الذي اتجه نحو الأصالة والمعاصرة بعد مسار طويل داخل التجمع الوطني للأحرار، و قبله برلمانيي الإقليم عن نفس الحزب” الأحرار” بوشتى بوصوف و نورالدين اقشيبل، و معهم عدد كبير من رؤساء الجماعات و المنتخبين، وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام.
فإذا كان السلاسي قد ورث مهمة الحفاظ على نفوذ “الحمامة” بعد عبو، فإن انتخابات 23 شتنبر ستشكل، في الوقت نفسه، امتحانا شخصيا وسياسيا له.
وهنا يبرز سؤال جوهري، هل استطاع بناء نفوذ سياسي مستقل وقابل للاستمرار، أم أن جزءا من قوة البيت التجمعي ظل مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بعوامل وازنة تتجاوز شخصه؟ واللافت أن “البام” يدخل هذه الانتخابات في سياق مختلف تماما عن السابق، مستفيدا من انتقال شخصيات ذات وزن انتخابي وسياسي من “الأحرار” إلى صفوفه، الأمر الذي يجعل المواجهة بين الحزبين تتجاوز مجرد المنافسة على المقاعد إلى صراع على إعادة تشكيل الخريطة السياسية بالإقليم.
وبذلك، قد تكون انتخابات 23 شتنبر لحظة اختبار مزدوجة، اختبار لقدرة محمد السلاسي على إثبات أن مرحلة ما بعد عبو لم تكن مجرد انتقال في القيادة، بل تأسيسا لنفوذ جديد داخل “الأحرار”، واختبار لقدرة “البام” على ترجمة التحولات والانتقالات السياسية التي شهدها الإقليم إلى حضور انتخابي أوسع وأكثر رسوخا.
لكن المؤكد أن هذه الانتخابات وضعت “الأحرار” أمام أسئلة غير مسبوقة منذ سنوات، هل يستطيع البيت التجمعي في تاونات أن يستمر بعد عبو، أم أن مرحلة ما بعد عبو كشفت أن تماسك هذا البيت كان مرتبطا بأكثر من اسم واحد؟
وهل ستحافظ “الحمامة” على مقعديها؟
أم تفقد أحدهما؟وهل تكون تاونات–تيسة هي الحلقة التي يبدأ عندها انكسار النفوذ التاريخي لـ”الأحرار”؟
أم أن هذه الانتخابات ستؤكد، مرة أخرى، أن “الحمامة” ما زالت قادرة على التحليق فوق سماء تاونات؟
الجواب لن تحسمه الحشود ولا التكهنات، بل صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر..


تعليقات الزوار
0