عادل عزيزي
قراءة في التحولات السياسية التي تسبق انتخابات شتنبر 2026
لم يكن إعلان انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة مجرد خبر حزبي عابر، بل حدثا سياسيا أعاد إلى الأذهان مرحلة عاشها المغرب قبل انتخابات 2021، عندما انتقل حزب التجمع الوطني للأحرار من حزب يوصف بأنه “شريك في الحكومة” إلى حزب يقود المشهد السياسي وينتزع رئاسة الحكومة بقيادة عزيز أخنوش، واليوم، يطرح كثيرون السؤال نفسه: هل يحاول “البام” إعادة السيناريو نفسه، لكن هذه المرة بورقة اسمها فوزي لقجع؟
المقارنة لا تأتي من فراغ، فهناك أحداث متشابهة يصعب تجاهلها
قبل انتخابات 2021، بدأ التجمع الوطني للأحرار في استقطاب شخصيات وازنة من عالم الاقتصاد والإدارة والسياسة، وأطلق جولة “100 مدينة 100 يوم”، ثم قدم برنامجا انتخابيا سبق به منافسيه، في وقت كان حزب العدالة والتنمية يعيش تراجعا سياسيا وتنظيميا، انتهى ذلك المسار بفوز الأحرار بـ102 مقعد وتشكيل الحكومة.
اليوم، يتكرر جزء من المشهد، لكن بأدوات مختلفة، فمنذ أشهر، دخل حزب الأصالة والمعاصرة مرحلة إعادة ترتيب بيته الداخلي، وعزز حضوره الميداني، قبل أن يفاجئ الجميع باستقطاب فوزي لقجع، أحد أكثر الشخصيات حضورا في الدولة، سواء من خلال وزارة الميزانية أو الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي ارتبط اسمها بأكبر الإنجازات الرياضية للمغرب خلال السنوات الأخيرة.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو تسلسل الأحداث..!
ففي يونيو الماضي، خرجت أخبار عن قرب التحاق لقجع بـ”البام”، قبل أن ينفي بنفسه الأمر ويؤكد أنه لا ينتمي لأي حزب سياسي، بعد أسابيع فقط، تحول النفي إلى إعلان رسمي خلال دورة المجلس الوطني للحزب، حيث التحق بالمكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، وهذا التطور يعكس أن المشاورات كانت مستمرة في الكواليس إلى أن نضجت سياسيا وتنظيميا.
غير أن القراءة السياسية لا ينبغي أن تتوقف عند شخص لقجع فقط، فالواقع يكشف أن انتخابات 2026 تختلف جذريا عن انتخابات 2021.
في انتخابات 2021 كان الخصم الرئيسي للأحرار هو حزب العدالة والتنمية الذي أنهى عشر سنوات من قيادة الحكومة وسط تراجع شعبي واضح، أما اليوم فإن المنافسة تدور أساسا بين مكونات الأغلبية الحكومية نفسها؛ التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، لذلك فإن استقطاب شخصية بحجم لقجع لا يبدو موجها لإسقاط المعارضة، بقدر ما يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل الأغلبية استعدادا لتشكيل الحكومة المقبلة.
كما أن حضور لقجع يحمل رسالة سياسية أخرى..
فالرجل لا يقدم باعتباره سياسيا تقليديا، بل كمسؤول ارتبط في الوعي العام بالإنجاز، سواء في تدبير المالية العمومية أو في قيادة مشروع تطوير كرة القدم، وهي الصورة التي قد يسعى الحزب إلى تحويلها إلى رصيد انتخابي، تماما كما استفاد التجمع الوطني للأحرار من صورة أخنوش كرجل أعمال ووزير قاد قطاعات استراتيجية.
لكن السياسة لا تدار بالصورة وحدها.
فأخنوش عندما وصل إلى رئاسة الحكومة لم يعتمد فقط على حضوره الشخصي، بل كان يقود حزبا اشتغل لسنوات على التنظيم، واستقطب المنتخبين، وأعاد هيكلة الفروع، واستثمر في التواصل السياسي بشكل غير مسبوق.
غير أن الأصالة والمعاصرة يدخل هذه الاستحقاقات وهو يحمل تحديات تتجاوز المنافسة الانتخابية التقليدية، فإلى جانب منافسته القوية مع حلفائه داخل الأغلبية، لا يزال الحزب يواجه إرثا سياسيا ثقيلا يتمثل في الصورة التي رافقته منذ تأسيسه، حين ظل خصومه، وفي مقدمتهم عبد الإله بنكيران وإدريس لشكر، يصفونه بـ”حزب الدولة” أو “حزب الإدارة”، معتبرين أنه تأسس بدعم من مراكز النفوذ أكثر مما تأسس على امتداد تنظيمي طبيعي.
ورغم مرور سنوات على تلك المرحلة، ومشاركة الحزب في التدبير الحكومي، فإن هذا الخطاب لا يزال يطفو على السطح كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، ما يجعل “البام” مطالبا بإقناع الناخبين بأنه حزب يراهن على مشروعيته السياسية والتنظيمية، لا على الصورة التي رسمها له خصومه في الماضي. وكذلك نجد من أوجه الاختلاف ايضا بين تجربة عزيز أخنوش وتجربة فوزي لقجع يكمن في نقطة الانطلاق.
فأخنوش تولى قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار قبل سنوات من الاستحقاقات الانتخابية، وخاض بنفسه مسار إعادة هيكلته وتدبير توازناته الداخلية، رغم ما عرفه الحزب آنذاك من تجاذبات وخلافات تنظيمية.أما لقجع، فقد التحق بحزب الأصالة والمعاصرة في وقت يمتلك فيه قيادة قائمة وتوازنات داخلية مستقرة نسبياً، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن هذه الخطوة جاءت استجابة لحسابات المرحلة السياسية أكثر منها امتداداً لمسار حزبي تقليدي.
وقد غذى هذا الانطباع ما رصده عدد من المتابعين خلال دورة المجلس الوطني الأخيرة للحزب، حيث استوقفتهم طريقة استقبال لقجع، ولا سيما ما اعتبره البعض قدرا من التحفظ في ملامح ولغة جسد المنسقة الوطنية للحزب، فاطمة الزهراء المنصوري، أثناء تقديمه.
ولا يمكن اعتماد مثل هذه الملاحظات دليلا على وجود خلافات داخلية، لكنها فتحت المجال أمام قراءات سياسية متعددة حول مدى الإجماع الذي حظي به هذا الالتحاق داخل الحزب، وما إذا كان يعكس توافقا تنظيميا كاملا، أم أنه يندرج ضمن إعادة ترتيب موازين القوى استعدادا للاستحقاقات المقبلة.
وفي جميع الأحوال، تبقى هذه القراءات في إطار التحليل السياسي المبني على ملاحظات وتأويلات، ولا ترقى، في حد ذاتها، إلى مستوى الوقائع المؤكدة.
ثم إن هناك عاملا آخر لا يقل أهمية..
فاستقطاب شخصيات قوية أصبح سمة مشتركة بين الأحزاب المغربية خلال هذه المرحلة، حيث تشهد الساحة ما يشبه “سوق الانتقالات السياسية”، إذ تتنافس الأحزاب على استقطاب المنتخبين والأعيان والشخصيات ذات الحضور الإداري أو الاقتصادي أو الرياضي، في محاولة لتعزيز مواقعها قبل فتح صناديق الاقتراع.
لذلك، فإن التحاق فوزي لقجع بالأصالة والمعاصرة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد انضمام فرد إلى حزب، بل باعتباره مؤشرا على أن معركة رئاسة الحكومة بدأت فعليا قبل أشهر من يوم الاقتراع.
ومع ذلك، يبقى من المبكر الجزم بأن “البام” يعيد تجربة أخنوش بحذافيرها..
فالتجربتان تتقاطعان في الاعتماد على شخصية ذات وزن وحضور، لكنهما تختلفان في السياق السياسي، وطبيعة المنافسة، والظروف الانتخابية.وفي النهاية، قد يكون لقجع هو الورقة الأقوى التي لعبها الأصالة والمعاصرة قبل انتخابات 2026، لكن الورقة القوية لا تكفي دائما للفوز بالمباراة، فالسياسة، كما كرة القدم، لا يحسمها اسم اللاعب وحده، بل يحسمها أداء الفريق، وحسن إدارة المباراة، ثم الكلمة الأخيرة التي تبقى دائما لصندوق الاقتراع، و لأطراف أخرى انتم تعرفونها.


تعليقات الزوار
0