صباح اليوم|كتاب وآراء

الهاربون..

FB_IMG_1785497233834

عادل عزيزي

أعذروني…لم أجد الكلمات المناسبة كمقدم للمقال، فكلما هممت بالكتابة، سبقني الحزن، ما يحدث اليوم في الشمال يكسر القلب، ويجعل الكلمات عاجزة أمام حجم الألم الذي تحمله هذه المشاهد.. المشاهد التي تعيشها مدن شمال المغرب هذه الأيام، مع تدفق آلاف الشباب والأطفال والأسر نحو سبتة، لم يعد مجرد موجة هجرة موسمية، ولا حادثا عابرا يمكن أن يطويه النسيان.لقد تحول إلى مشهد ثقيل، يحمل في طياته رسائل اجتماعية واقتصادية وإنسانية لا يمكن تجاهلها..وليس من قبيل الصدفة أن تتحدث المعطيات الرسمية الإسبانية عن عبور أكثر من 49 ألف شخص نحو سبتة في ظرف أربع وعشرين ساعة.إنه رقم صادم، لا يمكن تفسيره بروح المغامرة وحدها، بل يكشف حجم اليأس الذي تسلل إلى قلوب آلاف الشباب، حتى صار البحر، بكل مخاطره، أقل رعبا من واقعهم.إنهم لا يهربون من وطنهم…بل يهربون من واقع أصبح أثقل من قدرتهم على الاحتمال…يهربون من “الفراقشية” الذين يطاردون أرزاقهم…ومن الإحساس بـ”الحكرة”في وطنه…يهربون من الفقر الذي تمدد داخل بيوت كثيرة…ومن البطالة التي تسرق أجمل سنوات العمر…ومن الغلاء الذي أنهك القدرة الشرائية للأسر…ومن شعور متزايد لدى كثيرين بأن معاناتهم لا تجد من يسمعها، ولا من يبادر إلى معالجتها..كل يوم…تنتشر صور لشباب يركضون نحو الأسلاك…أو يلقون بأجسادهم في البحر…وكأنهم لا يبحثون عن أوروبا…بل يبحثون عن أمل ضاع منهم هنا..أما الذين بقوا…فليسوا دائما أكثر حظا..بقوا لأنهم لم يجدوا فرصة للرحيل…أو لأن الخوف كان أقوى من المغامرة…أو لأنهم ما زالوا يتمسكون بخيط رفيع من الأمل.لكنهم يحملون الغصة نفسها…ويراقبون أصدقاءهم يغادرون الواحد تلوا الآخر…ويكبر في داخلهم السؤال الأكثر إيلاما،هل أصبح الرحيل هو الحلم الوحيد الممكن؟الواقع أننا، والحالة هذه، أمام هروب جماعي من الوطن…ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك.ثم إن أمواج المهاجرين لم تحمل الشباب وحدهم…بل حملت أيضا آباء وأمهات…يحملون أطفالهم بين أذرعهم…ويحملون أرواحهم على أكفهم…ويتجهون جميعا نحو المجهول…إنها صورة قاسية…بل مدمرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى…صورة تختصر حجم الوجع…وتبعث برسائل موجعة في كل الاتجاهات.إنها صورة لوطن يودعه بعض أبنائه، لا لأنهم توقفوا عن حبه…بل لأنهم توقفوا عن الإيمان بأن مستقبلهم يوجد خارج وطنهم…وأكاد لا أصدق ما يحدث في بلدي…أي شجاعة امتلكها هؤلاء…حتى يواجهوا أمواج البحر…وظلام الليل…واحتمال الموت…فقط لأنهم يعتقدون أن الضفة الأخرى قد تمنحهم حياة أكثر كرامة؟لكن المؤكد…أن الناس لا يهاجرون أوطانهم بسبب الفقر وحده…ولا بسبب الجوع وحده…فالإنسان يستطيع أن يقاوم الحاجة…لكنه ينهزم حين يفقد الأمل…الحقيقة…أن الشباب يهاجر بسبب اليأس…وبسبب فقدان الثقة…وبسبب انسداد الأفق…وبسبب الإحساس بأن المستقبل لم يعد يتسع لأحلامه.ويهاجر أيضا…لأن قلة قليلة استأثرت بخيرات البر…وخيرات البحر…وخيرات الجو…واحتكرت جانبا كبيرا من ثروة هذا البلد.وليتها اكتفت بذلك…بل مضت أبعد…وتركت للغلابة والبسطاء…الإحساس بالقهر…والتهميش…والخذلان..وليتها سطت على كل شيء ووقفت عند هذا الحد، بل إنها ذهبت أبعد من ذلك ولم تعط للمواطن البسيط سوى الأصبع “الوسطى” من أصابع اليد..

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم