عادل عزيزي
هل الندرة تجلب السعادة والرضا النفسي؟ أم أنه لا علاقة بينهما… من الصعب أن أجيب على سؤال وضعته، وربما لا يكون السؤال منطقيا في الأساس، وعلى الأغلب هو هذيان عابر لاختراق مقدمة المقال الصعبة.. للحظة ما أشعر أن كثرة المعروض تسحب المتعة وتبدد السعادة وتؤثر على الذائقة، مهما كان هذا المعروض؛ معروض غذائي، فني، أدبي، سياسي الخ.. في السابق كان هناك قناة تلفزيونية واحدة تعرض مسلسلا واحدا للسهرة في الشهر، لا خيارات أمام المشاهد إلا أن يقبل “تعسف” مدير البرامج، ومع ذلك الى اليوم وبعد عشرات السنوات ما زلنا نتذكر أحداث المسلسل وأسماء الأبطال وألقابهم في ذلك العمل.. كنا نعيش الحالة وندخل في جو العمل ونبكي كثيرا على موت الأبطال ونحقد كثيرا على أرباب الشر في المسلسل، الذين يحيكون المؤامرات، حتى انطبعت الشخصيات في أذهاننا.. فالشرير يبقى شريرا حتى لو تغير دوره أو ظهر بعمل آخر بشكل لطيف.. هذه الأعمال على ندرتها كانت تصنع لنا السعادة.. من جانب آخر.. أنا انتمي إلى جيل، كانت الوجبة المنتظرة ذات القيمة الغذائية الهائلة هي وجبة الجمعة، لأنها تحتوي على دجاجة أو نصفها، كنا نعد المتبقي من أيام الأسبوع على أصابعنا كما يعد العاشق أيام اللقاء مع حبيبته، والمعشوقة هنا الدجاجة طبعا.. كان مذاق الدجاج آنذاك مختلفا تماما عما نأكله اليوم، الإمساك بالفخذ ونهشه بطريقة عرضيه كالعزف على “البيانو” متعة لا تضاهيها متعة على الإطلاق، إلا متعة شقيق يمسك برأس الديك أيضا ويقربه من عينيه بترو وارتجاف وكأنه يريد أن يقنص قُبلة من الرأس المحمّر.. العظام المكومة أمامنا منظفة تماما ومرتبة تماما ومثالية تصلح أن تهدى إلى مختبر تشريح لطلاب الطب.. وقبل أن يرفع “الطبسيل” من أمامنا، نودع هذه الوجبة بالقبل والتحسر كما تودع جثامين السياسيين، ثم نستودعها السلامة إلى جمعة مقبلة إن شاء الله.. المسألة غير مرتبطة بالطفولة وبالذكريات وحسب.. يا جماعة، الغذاء نفسه كان شهيا ولذيذا وطبيعيا.. التفاح على سبيل المثال، أول تفاحة قابلتها بشكل نظري كانت في كتاب الحساب الصف الثالث الابتدائي عندما وضعوا خمس تفاحات على اليمين وثلاث تفاحات على اليسار وإشارة الناقصة بينهما وأخيرا إشارة “يساوي” على اليسار.. ثم كتب الله لي أن أقابل التفاح شخصيا بعد سنتين من القراءة والمطالعة والمراسلة والتعارف في كتاب الحساب.. الندرة هنا أيضا صنعت السعادة… ربما لم تكن الندرة هي التي صنعت سعادتنا، بل كانت تمنح الأشياء قيمتها ومعناها.. فقد كان القليل يكفينا، لأن وراءه صدقا وانتظارا وذكريات.. أما اليوم، فقد كثرت الأشياء وكثرت معها الشعارات والوعود، لكننا نعيش ندرة مؤلمة في المبادئ والثبات والصدق.. كثرت الوجوه وتبدلت المواقف، حتى أصبح المواطن يعيش وفرة في الكلام ونقصا في الثقة.. فالمشكلة ليست دائما في قلة ما نملك، بل في ندرة المعنى والثقة والمبادئ التي تجعل للحياة طعما.


تعليقات الزوار
0