عادل عزيزي
منذ يومين وأنا أحاول أن أجد الكلمات المناسبة لهذا المقال..أكتب سطرا ثم أمسحه..أبدأ فكرة ثم أتراجع عنها..ليس لأن القصة معقدة، بل لأن بعض الحكايات أكبر من الكلمات، وأكثر إيلاما من أن تختزل في بضعة أسطر. كيف يمكن أن أكتب عن فتاة لم تحمل حقيبة سفر، بل حملت كفنها على كتفيها وألقت بنفسها في البحر؟ وكيف يمكن أن أصف لحظة يصبح فيها الموت طريقا إلى المستقبل؟ لم أستطع أن أفرح بوصولها..كما لم أستطع أن أدين قرارها..كل ما استطعت أن أشعر به هو الحزن.. حزن على وطن يخسر أبناءه…وعلى شباب لم يعد يرى في البحر حاجزا، بل بابا أخيرا للأمل.. وربما لهذا السبب تأخر هذا المقال، لأن بعض القصص لا تحتاج إلى كاتب بارع، بل إلى وطن يجعل أبناءه لا يفكرون أصلا في كتابة مستقبلهم فوق أمواج البحر. فرح، شابة منحدرة من مدينة العرائش، لم تكن اسما عاديا، حسب ما تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي فهي رياضية مارست كرة القدم والكرة الطائرة، وشاركت في تجمعات المنتخبات الجهوية والوطنية، قبل أن تقطع سباحة عدة كيلومترات حتى بلغت شاطئ سبتة، حيث رفعت شارة النصر.فرح ليست سوى وجه من وجوه حكاية أكبر، وليست استثناء في زمن أصبح فيه “الحريك” حلما يراود آلاف الشباب والشابات..إنها نموذج لجيل كامل بات يرى أن مستقبله يوجد خارج حدود الوطن أكثر مما يراه داخله..جيل لا يفتقد حب الوطن، بقدر ما يفتقد الإحساس بأن هذا الوطن قادر على احتضان أحلامه ومنحه فرصة عادلة للحياة..لذلك لم تكن هجرة فرح عن طريق “الحريك” سباحة مجرد عبور بين ضفتين، بل كانت تعبيرا صامتا عن إحساس يتقاسمه كثير من شباب و شابات هذا الوطن، الذين يحملون الكفاءة والطموح والإرادة، لكنهم يشعرون بأن أبواب المستقبل أصبحت أكثر انفتاحا في الضفة الأخرى..ومن هنا، تتحول قصتها من مغامرة فردية إلى مرآة تعكس واقع جيل بأكمله..!قد تبدو لحظة الوصول بالنسبة لها و هي ترفع شارة النصرانتصارا شخصيا يستحق الاحتفال، لكنها في الوقت نفسه تطرح على مسؤولي هذا الوطن الحبيب سؤالا مؤلما..لماذا يخاطر شبابنا بحياتهم بحثا عن مستقبل يرونه في الضفة الأخرى؟وما الذي يجعلهم يعتقدون أن الأمل يوجد هناك أكثر مما يوجد هنا؟كم هو مؤلم أن تتحول موهبة رياضية كان من المفترض أن ترفع علم المغرب في المحافل الدولية، إلى جسد يراهن على الأمواج والتيارات البحرية..؟فتاة كانت تستحق مدربا أفضل..ومنحة رياضية..وفرصة للتألق..لكنها وجدت نفسها تتدرب على تقاوم الأمواج بدل منافسة الخصوم.. الأكثر قسوة أن مفهوم النجاح نفسه تغير لدى بعض الشباب، لم يعد النجاح يعني التفوق الدراسي..أو الحصول على وظيفة..أو التألق الرياضي..بل أصبح، في نظر البعض، مرادفا للوصول إلى الضفة الأخرى..؟ولا أحد يملك الحق في تخوين هؤلاء أو اتهامهم بقلة الوطنية، فالوطنية لا تقاس بمن بقي داخل الحدود، بل بقدرة الوطن على احتضان أبنائه ومنحهم سببا للبقاء. عندما يصبح البحر أقل رعبا من المستقبل، فالمشكلة ليست في البحر، بل في المستقبل نفسه.ورغم ذلك، تبقى الهجرة غير النظامية “الحريك” طريقا محفوفا بالمخاطر، وليست حلا، فالبحر لا يميز بين رياضي وطالب..ولا بين شاب وفتاة..و لا بين صغير و كبير..ولا بين من يملك حلما ومن فقد كل شيء..فكم من حلم ابتلعته الأمواج قبل أن يصل إلى الضفة الأخرى؟ وكم من حلم انتهى بين فكي قرش؟وكم من أم بقيت تنتظر اتصالا لم و لن يأتي؟ قصة فرح ليست قصة فتاة سبحت بضعة كيلومترات فقط، بل قصة جيل كامل يسبح كل يوم ضد الإحباط..ضد البطالة..ضد الشعور بأن الأبواب موصدة..بعضهم يصل..وبعضهم يغرق..لكن الجميع يبعث الرسالة نفسها، نحن لا نهرب من الوطن، بل نهرب من واقع لم يعد يمنحنا ما يكفي من الأمل..وربما آن الأوان أن نتوقف عن عد أعداد “الحراكة”، ونبدأ في عد الأحلام التي فقدناها قبل أن تصل إلى البحر..فالوطن الذي يدفع أبناءه إلى المخاطرة بأرواحهم بحثا عن فرصة، لا يحتاج فقط إلى حراسة حدوده، بل إلى إعادة بناء الأمل داخلهم..قد تكون شارة النصر بالنسبة لفرح إعلان نجاة، لكنها بالنسبة إلينا يجب أن تكون جرس إنذار، فالانتصار الحقيقي لن يكون يوم عن طريق “حريك” الشباب إلى الضفة الأخرى، بل يوم يصبح الوطن نفسه هو الضفة التي يحلمون بالبقاء فيها.ويجدون فيها،الكرامة..فرص الشغل..والأمل في المستقبل.. فلا يضطر أحد بعد ذلك إلى رفع شارة النصر فوق أمواج البحر.نسأل الله أن يحفظ فرح، وأن يحفظ كل شاب وشابات هذا الوطن من مخاطر البحر، وأن يفتح أبواب الأمل والكرامة والفرص داخله، حتى يصبح النجاح حلما يمكن تحقيقه داخله دون المجازفة بالحياة..


تعليقات الزوار
0