«
🪶بقلم✍️ الأستاذة أنيسة الوردي🪶
لم تكن فاس تلك الليلة مدينةً تغفو على هدوئها المعتاد. كانت مدينةً تتنصّت للريح، كأنها تشعر بأن شيئًا ما على وشك أن ينكسر. وحين انهارت البنايتان، لم يهتزّ الحيّ فقط، بل اهتزّت قلب المدينة بأكمله، وانفتح جرحٌ عميق لا تُخفيه الكلمات.
لم يكن المشهد مجرد ركام مبعثر… كان حفرة واسعة تسقط فيها الثقة، وتسقط فيها أعمارٌ كانت تحلم وتبني الغد. كان الليل طويلًا، كثير الأنفاس الثقيلة، ممتلئًا بوجوه منهكة تبحث عن اسم، عن صوت، عن بقايا حياة تحت صمتٍ حجريّ لا يرحم.
لكن بين كل تلك الفوضى، برز سؤال واحد… سؤال ظلّ واقفًا في الهواء كأنه يطالب بحقه:
أين هم المسؤولون؟
أين هم أولئك الذين وقعوا على الرخص؟
الذين سمحوا بالبناء؟
الذين غضّوا الطرف عن التشققات الأولى؟
الذين مرّوا كل يوم أمام تلك الجدران، ولم يروا هشاشتها، أو رأوها ولم يتدخلوا؟
أين المهندس الذي صمّم؟
أين المقاول الذي بنى؟
أين من كان يفترض به أن يراقب، أن يراجع، أن يمنع الكارثة قبل أن تتنفس؟
ألا يعلمون أن الإهمال جريمة؟
أن التوقيع على رخصة غير مستوفية الشروط قد يقتل؟
أن التغاضي عن غياب الجودة قد يجعل من بيتٍ قبراً لأهله؟
نحن لا نسأل اليوم من باب الغضب فقط…
بل من باب الحق، من باب العدالة، من باب الواجب.
لأن فاس لا تستحق أن تُسقِط أبناءها بهذه الطريقة.
في تلك الليلة، بينما كانت الأمهات يبكين بين الأنقاض، بينما كان الرجال يحفرون بأيديهم، بينما كانت المدينة كلها تسابق الزمن لإنقاذ من تبقى…
كان السؤال يزداد قوة:
هل سيُسأل المسؤولون أم ستُدفن الأسئلة مع الضحايا؟
هذا التقرير ليس وصفًا للحادث، بل شهادة… شهادة على ليلة انهار فيها الجدار وانكشف المستور.
فالبيوت لا تسقط وحدها. يسقط قبلها ضمير متعب، ويسقط قبلها نظام مراقبة فارغ، ويسقط قبلها مكتب هندسي متهاون، وتسقط قبلها ملفات أُغلقت بلا مراجعة، وتواقيع وُضعت بلا خوف من تبعاتها.
إنّ فاس اليوم لا تنتظر البكاء، ولا تنتظر رسائل التعزية.
فاس تنتظر الحقيقة.
تنتظر أن تُفتح الملفات، وأن يُستجوب كل من كان له يد، وكل من كان له توقيع، وكل من كان بإمكانه أن يمنع الكارثة… ولم يفعل.
وفي قلب هذا الألم، يبقى الثبات الذي تعرفه فاس بنبلها العتيق:
مدينة تُكفّن حزنها، لكنها لا تُسكت صوتها.
مدينة تبكي، لكنها تفهم أن الدموع ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
رحم الله كل من رحل، وجبر الله بخاطر كل أم كسرتها الفاجعة، وكل طفل فقد ملاذه، وكل رجل رأى بيته يتحول إلى غبار.
ويبقى السؤال… سؤال لا يجب أن يختفي:
من سيحاسب؟
ومن سيعيد للمدينة ثقتها في الجدران التي يفترض أنها تحمي؟
#فاس


تعليقات الزوار
0