عادل عزيزي
رغم أن الثروة لا تقاس دائما بما يظهر في الصور..أو قل رغم أن بعض السياسيين في تاونات لم يكونوا، قبل دخولهم عالم السياسة، من أصحاب الملايين ولا من ملاك الإمبراطوريات الاقتصادية..ورغم أن بعضهم دخل السياسة بوعود بسيطة وشعارات أكبر من الإمكانيات..ورغم أن السيرة الانتخابية لبعضهم كانت في بدايتها أقرب إلى سيرة موظف أو مواطن عادي يبحث عن موطئ قدم في العمل العام..ورغم أن السنوات مرت..ورغم أن الانتخابات تعاقبت..ورغم أن المسؤوليات تكاثرت..ورغم أن العلاقات اتسعت..ورغم أن السيارات تغيرت..ورغم أن أنماط العيش تغيرت..ورغم أن بعض الصور أصبحت تقول أحيانا أكثر مما تقوله التقارير..ورغم أن المواطن التاوناتي أصبح يسأل، بصوت خافت أحيانا وبصوت مرتفع أحيانا أخرى، “من أين لكل هذا؟”..ورغم كل هذا، ما زال السؤال الحقيقي معلقا في الهواء..كيف ينتقل بعض السياسيين من بساطة البدايات إلى رفاهية النهايات؟طبعا، لا أحد يعترض على أن ينجح السياسي في تجارته أو أن يزداد دخله أو أن تتحسن أوضاعه المالية.ولا أحد يريد أن يحاسب الناس على نجاحهم المشروع.لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاغتناء السياسي أكبر من أن تفسره المداخيل المعلنة، وأسرع من أن تبرره المسارات المهنية المعروفة، وأوسع من أن يفسره مجرد الحظ أو “البركة”.هنا فقط يصبح السؤال مشروعا..بل يصبح واجبا..من أين لك هذا؟من أين جاءت الثروة؟وما هي مصادرها؟وهل تطورت قبل المسؤولية السياسية أم بعدها؟وهل هناك فرق بين المال الذي يصنع السياسة والسياسة التي تصنع المال؟وهل يمكن أن نطلب من المواطن أن يثق في منتخبين لا يستطيعون، أو لا يريدون، أن يقدموا له صورة واضحة عن مسارهم المالي والمهني؟ثم ماذا عن تضارب المصالح؟وماذا عن الصفقات؟وماذا عن الأراضي والعقارات؟وماذا عن المشاريع العمومية؟وماذا عن الشركات التي كانت تظهر فجأة بالقرب من دوائر القرار؟وماذا عن الأقارب والشركاء والواجهات؟أسئلة كثيرة..وكثير منها لا يحتاج إلى إشاعة ولا إلى “مصادر مقربة”، بل يحتاج فقط إلى وثائق، وتصريحات بالممتلكات، وحسابات واضحة، وربط للمسؤولية بالمحاسبة.لأن السياسة ليست رخصة للثراء..والانتخابات ليست شهادة بنكية..والمنصب العمومي ليس ماكينة لصناعة الثروات.وفي تاونات تحديدا، حيث ما زال المواطن يسأل عن الماء..والطريق..والمستشفى..وفرص الشغل..والنقل..والمدرسة..والتنمية..يصبح من حقه أيضا أن يسأل السياسي الذي ظهر عليه أثر النعمة،”مبروك عليك النجاح.. ولكن “بغينا نعرفو كيفاش نجحتي؟”فإذا كانت الإجابة نظيفة، فمرحبا بها.وإذا كانت الثروة مشروعة، فليست هناك حاجة إلى الخجل منها.أما إذا كان هناك ما يستدعي التوضيح، فالصمت لن يكون جوابا.لأن زمن “الثقة العمياء” انتهى..وزمن “شوف وسكت” انتهى..وفي وقت تتسابق فيه صور السياسيين على مواقع التواصل، ربما حان الوقت لكي تتسابق أيضا أرقامهم ووثائقهم وتصريحاتهم أمام الرأي العام.فالمواطن لا يريد أن يعرف فقط من يربح الانتخابات..بل يريد أن يعرف أيضا،من يغتني من السياسة؟ومن أين له بتلك الثروة؟


تعليقات الزوار
0