صباح اليوم|أقلام حرة

من وحي القلم، فصبر جميل..

1781892105166

عادل عزيزي

كنت أتساءل، ولعل كثيرين يتساءلون مثلي، كيف استطاع نبي الله يعقوب عليه السلام أن يصمت أمام جريمة  أبنائه عندما عادوا إليه بقميص يوسف وعليه دم كذب؟عادوا إليه في ظلمة الليل، يحملون قميصا ملطخا بدم كذب، ويروون قصة الذئب الذي افترس الغلام الجميل.لكن يعقوب لم يكن غافلا، ولم يكن ساذجا ليصدق رواية تتهاوى أمام أول نظرة، رأى القميص سليما لا أثر فيه لافتراس ولا تمزيق، فعرف أن وراء القصة أمرا آخر.ومع ذلك لم يصرخ، ولم يحقق، ولم يطارد أبناءه بالأسئلة، ولم يجبرهم على الاعتراف..كل ما قاله كان كلمات قليلة حملت من الألم ما تعجز عنه الخطب الطويلة، “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ”.هنا يبدأ السؤال الكبير، لماذا؟..لماذا لم يذهب إلى مكان الحادث يبحث عن ولده كما يفعل أي أب يشتعل قلبه خوفاً على ابنه؟..لماذا لم يواجه أبناءه بما أدركه من تناقضات؟..ولماذا ترك القضية كلها للزمن؟..ربما لأن يعقوب لم يكن يرى بعيني الأب فقط، بل كان يرى بقلب النبي أيضا.كان يعلم أن الحقيقة لا تحتاج دائما إلى صخب حتى تظهر، وأن بعض الأقدار لا تفتح أبوابها بالقوة، بل بالصبر واليقين.ثم تمضي السنوات…سنوات طويلة من الفراق والدموع والانتظار، حتى يظن المرء أن الحزن صار قدرا.لا ينتهي.لكن المشهد يتكرر بصورة أخرى.. يعود الأبناء من مصر وقد فقدوا أخا ثانيا، ويغيب معهم الأخ الأكبر الذي آثر البقاء بعيدا خجلا من أبيه. مرة أخرى كان بإمكان يعقوب أن يثور..أن يغضب..أن يوبخ..أن يتهم..لكنه قال الكلمات ذاتها تقريبا، “بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ”، كأن الرجل الذي فقد أبناءه لم يفقد يقينه يوما.لم يكن صبر يعقوب استسلاما، بل كان عبادة..لم يكن صمتا عن الحق، بل ثقة في حكمة الله..ولذلك لم يشك للناس، ولم يجعل من حزنه حديث المجالس، بل رفع شكواه إلى السماء وحدها، “إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه”.وفي الجهة الأخرى من القصة كان يوسف يعيش امتحانا لا يقل قسوة، طفل ألقي في الجب، ثم بيع عبدا بثمن بخس، ثم دخل السجن سنوات طويلة وهو بريء.ومع ذلك لم يجزع..صبر كما صبر أبوه..وانتظر كما انتظر أبوه..وأخفى في قلبه وعدا قديما رآه طفلا في رؤيا بدت بعيدة المنال؛ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له.مرت الأعوام، وتعاقبت المحن، وكادت الرؤيا تضيع بين ظلمات البئر وأبواب السجن، لكن ما يحفظه الله لا يضيع أبدا.وحين شاء الله أن تنكشف الحكمة، اجتمع الشمل بعد طول فراق، ووقف يوسف عزيزا مكرما، وجاء أبواه وإخوته إليه، لتتحول الرؤيا إلى حقيقة ناطقة بعد صبر امتد سنوات طويلة، “وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا  وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا”.عندها فقط نفهم شيئا من سر هذه القصة الخالدة.لم يكن يعقوب عاجزا عن البحث.. ولم يكن يوسف عاجزا عن العودة.. لكن الله كان يصنع من الفراق رسالة..ومن الانتظار تربية..ومن الألم طريقا إلى النضج والتمكين..إنها قصة تعلمنا أن بعض الإجابات لا تأتي سريعا، وأن بعض الأحزان لا يبددها إلا الزمن الذي يكتبه الله، وأن الصبر ليس مجرد احتمال للألم، بل ثقة عميقة بأن الله يدبر الأمور بحكمة لا نراها نحن.ولهذا بقي يعقوب صابرا، وبقي يوسف صابرا، حتى جاء اليوم الذي انحنى فيه الحزن أمام وعد الله.ففي قصة يوسف ويعقوب لا ينتصر الذكاء ولا القوة ولا الحيلة، بل ينتصر الصبر الجميل..ذلك الصبر الذي يحفظ الإيمان حيا في القلب، حتى عندما يبدو كل شيء من حولنا مفقودا.”فصبرٌ جميل، والله المستعان على ما تصفون.”

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم