عادل عزيزي
مع اقتراب كل دورة جديدة من المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية بتاونات، يعود النقاش من جديد حول حصيلة هذه التظاهرة الثقافية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها، ويعود معه أيضا ذلك الشعور المختلط بين الأمل في التطوير والرغبة في رؤية المهرجان يرتقي إلى المكانة التي يستحقها، وبين الإحساس بأن عددا من الأسئلة التي طرحت قبل سنوات ما تزال تنتظر أجوبة واضحة وحاسمة.
لهذا أعود إلى الكتابة عن المهرجان بشيء من التردد، وربما بشيء من الحيرة أيضا، ليس لأن المهرجان فقد قيمته أو تراجع حضوره في المشهد الثقافي، بل لأن العديد من الملاحظات والقضايا التي تفرض نفسها اليوم هي ذاتها التي أُثيرت في دورات سابقة، لكن بعض الإشكالات الجوهرية لا زالت تراوح مكانها.هذا الشعور لا يعني إطلاقا أن المهرجان لم يعرف تطورا على امتداد دوراته المتعاقبة، فمن الإنصاف الاعتراف بأن هذه التظاهرة استطاعت أن تفرض حضورها وأن ترسخ مكانتها كموعد سنوي للاحتفاء بالعيطة الجبلية، باعتبارها أحد أهم مكونات التراث الفني المغربي، كما أن المجهودات التي بذلت من أجل ضمان استمرارية المهرجان، رغم الإكراهات والتحديات، تظل جديرة بالتقدير والاعتراف.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان المهرجان قد تطور أم لا، وإنما أي نوع من التطور حققه؟ وهل استطاع أن ينتقل من مجرد حدث موسمي إلى مشروع ثقافي متكامل، يمتلك رؤية واضحة وأهدافا بعيدة المدى، ويؤسس لتراكم حقيقي يخدم التراث والتنمية معا؟لقد أصبح المهرجان، على امتداد السنوات الماضية، موعدا ثقافيا بارزا على مستوى المنطقة، وفضاء للاحتفاء بفن عريق يحمل ذاكرة جماعية وتاريخا ثقافيا غنيا، لكنه في المقابل ظل، في كل دورة تقريبا، موضوعا للنقاش والجدل، بين من يرى فيه تجربة ناجحة تستحق الدعم والتثمين، وبين من يعتبر أن هناك اختلالات متكررة تحول دون بلوغه المكانة التي يستحقها.
والحقيقة أن النقد في مثل هذه الحالات، ليس هل أنت مع أو ضد المهرجان، بل هو ضرورة تفرضها المسؤولية تجاه مشروع ثقافي يفترض أن يكون ملكا للجميع.
فالمهرجانات لا تتطور بالصمت عن أخطائها، ولا تنجح بمجرد الإشادة الدائمة بها، وإنما تتقدم بقدر ما تفتح أبواب التقييم والمراجعة وتستفيد من الملاحظات والانتقادات.ومن هذا المنطلق، يظل سؤال التنظيم والتدبير من أبرز الأسئلة المطروحة، فالمهرجانات الحديثة لم تعد تدار بمنطق الاجتهادات الفردية أو القرارات الأحادية، بل أصبحت تعتمد على مؤسسات متخصصة وهياكل واضحة الصلاحيات والمسؤوليات.
ولذلك يبدو من المشروع التساؤل عن أسباب غياب إدارة فنية حقيقية تمنح المهرجان هويته الثقافية والفنية، وعن مدى حضور إطار جمعوي مستقل وقوي قادر على الاضطلاع بأدوار التخطيط والتنفيذ والتقييم.
كما أن الجانب المالي يظل بدوره عنصرا أساسيا في أي نقاش جاد حول مستقبل المهرجان، فالشفافية في التدبير المالي ليست مطلبا ثانويا، بل شرطا من شروط المصداقية والثقة.وكلما كانت مصادر التمويل واضحة وآليات الصرف معلنة، ازدادت قوة المشروع وارتفعت درجة الثقة فيه لدى الرأي العام والشركاء والمتتبعين.
ومن الملاحظات التي تستحق التوقف عندها أيضا، محدودية الأنشطة الموازية التي يفترض أن تمنح المهرجان بعده الثقافي والتنموي، فالاحتفاء بالتراث لا يقتصر على العروض الفنية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل يتطلب فضاءات للنقاش والتفكير والتوثيق والتعريف بالموروث المحلي، إضافة إلى مبادرات تفتح المجال أمام الباحثين والمبدعين والمهتمين للمساهمة في إغناء التجربة.وفي السياق نفسه، يبدو البعد السياحي أحد الحلقات التي لم تحظ بعد بما تستحقه من اهتمام، فإقليم تاونات يتوفر على مؤهلات طبيعية وسياحية مهمة، وكان من الممكن أن يشكل المهرجان منصة للتعريف بها وتعزيز جاذبيتها واستقطاب المزيد من الزوار.
غير أن هذا الرهان ما زال في حاجة إلى رؤية أكثر شمولية تربط الثقافة بالتنمية وتجعل من المهرجان رافعة حقيقية للإشعاع الترابي.أما إعلاميا، فما زال المهرجان في حاجة إلى رؤية تواصلية أكثر فاعلية وانفتاحا على الإعلام “المحلي”، باعتباره شريكا أساسيا في مواكبة الحدث ونقل تفاصيله إلى الرأي العام، فنجاح أي مهرجان لا يقاس فقط بجودة برمجته، بل أيضا بقدرته على بناء جسور التواصل مع مختلف المنابر الإعلامية.
وفي هذا السياق، يطرح غياب الندوة الصحفية أكثر من علامة استفهام، باعتبارها محطة أساسية لتقديم برنامج المهرجان وتوضيح مختلف جوانبه التنظيمية والفنية والمالية، فضلا عن كونها فضاء للحوار والتفاعل مع وسائل الإعلام، لذلك، فإن إعادة الاعتبار لهذه الآلية التواصلية من شأنه أن يعزز إشعاع المهرجان ويرسخ ثقافة الانفتاح والتواصل.ويبقى الحضور المؤسساتي بدوره مؤشرا مهما على مكانة أي تظاهرة ثقافية، ومن هنا تبرز التساؤلات التي يثيرها الغياب المتكرر لوزير الثقافة عن فعاليات المهرجان، وما إذا كانت العيطة الجبلية تحظى فعلا بالمكانة التي تستحقها ضمن أولويات السياسات الثقافية الوطنية خصوصا وأن المهرجان ينظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
إن المهرجان الوطني لفنون العيطة الجبلية في حاجة اليوم إلى أكثر من الاحتفاء بنجاحاته، وإلى أكثر من الاكتفاء بتكرار الشعارات نفسها في كل دورة، إنه في حاجة إلى وقفة تأمل جماعية، وإلى رؤية جديدة تؤمن بأن تطوير المهرجان مسؤولية مشتركة، وأن النقد الصادق ليس استهدافا لأحد، بل مساهمة في البناء والتصحيح.
فالمهرجان أكبر من الأشخاص، وأبقى من المواقع والمسؤوليات، وهو مشروع ثقافي ينبغي أن ينظر إليه باعتباره رصيدا للإقليم وللمنطقة وللتراث المغربي ككل، وعندما يصبح هذا الوعي مشتركا بين الجميع، سيكون من الممكن تحويل هذا الموعد السنوي من مناسبة احتفالية عابرة إلى تظاهرة ثقافية رائدة، تليق بتاريخ العيطة الجبلية وتستجيب لطموحات تاونات وأبنائها.


تعليقات الزوار
0