صباح اليوم|كتاب وآراء

إرضاء الناس… الوهم الذي سرق أعمارنا

1780394054556

عادل عزيزي

في سوق المسرات البشرية المزدحم، حيث يعرض كل إنسان بضاعته من الرضا والقبول، ها أنا ذا قد أغلقت دكاني أخيرا، ورفعت لافتة عطل مؤقت على نوافذ نفسي! نعم، لقد توقفت عن منح الفرص لمن لا يستحق، وأدركت أن الإنسان يمكن أن يعيش دون أن يكون بطلا خارقا في إسعاد الآخرين!تخيلوا معي إنسان كان يوزع البسمات كتوزيع النشرات الدعائية، ويقدم التنازلات كعروض تخفيض في سوق التنازلات، ويجري وراء رضا الناس كما يجري الفأر في العجلة!ثم فجأة يستيقظ ذات صباح ويقرر أن يكبر! نعم، يكبر على فكرة أن يكون بطاقة ائتمان عاطفية يستخدمها الجميع دون حدود!والطريف أن هذه الاستقلالية الجديدة تبدو كالثورة على ماضي من الخدمة المجانية!فبدلا أن أكون مهرجا في سيرك آراء الآخرين، أصبحت الآن مدير نفسي! وبدلا أن أكون صفحة فارغة يكتب عليها الناس ما يشاءون، أصبحت الآن موقعا إلكترونيا مغلقا للتعديلات!بل إن الأمر يصل إلى درجة أنك تشعر بأنك اكتشفت سرا كونيا!سر أن لا أحد يستحق كل هذا العذاب!فها هم الناس يمضون في حياتهم، سواء أرضيتهم أم لم ترضهم، سواء أعجبتهم أم لم تعجبهم! ها هم يتحدثون عنك اليوم، وغدا سينسونك كما تنسى وجبة الغداء إذا جاء العشاء!لكن الأعجب من ذلك هو أنك تكتشف متأخرا أن الفرص التي كنت تمنحها بلا حساب كانت كالقماشة التي تمسح بها أحذية الآخرين! كانت كالطبق الذي يأكلون منه ثم يرمونه خلفهم!كانت كالكرسي الذي يجلسون عليه وينهضون دون أن يقولوا شكرا!في النهاية، أليس من السخرية أننا نستغرق عمرا لنكتشف أن إرضاء الناس غاية لا تدرك؟وأن السعي وراء القبول العام أشبه بمطاردة الريح في يوم عاصف؟ وأن اللامبالاة الصحية هي أعظم هدية يمكن أن تقدمها لنفسك؟فلنضحك على أنفسنا قليلا، ونعترف أننا كنا نعيش في وهم أننا يجب أن نكون النسخة المحبوبة من أنفسنا! بينما الحقيقة أننا لا نحتاج إلا إلى أن نكون النسخة الأصلية، حتى لو كانت بها بعض التشققات والصدمات!فأن تكون بخير لأنك توقفت عن إرضاء من لا يستحق، هذه ليست قسوة، بل هي صحوة! ليست أنانية، بل ضرورة وجودية! فالحياة أقصر من أن نقضيها في تعديل صورتنا في عيون الآخرين، بينما نحن نغفل عن رؤية أنفسنا في مرآة أرواحنا!فأهنئك أيها الصديق على كبرك على إرضاء الجميع، وأتمنى أن نصل جميعا إلى هذه المرحلة من اللامبالاة الإيجابية التي تجعلنا نعيش لأنفسنا أولا، دون أن نؤذي أحدا، ولكن دون أن نسمح لأحد أن يؤذينا باسم الود أو المجاملة!فسلامة الروح أثمن من التصفيق العابر..وراحة القلب أغلى من رضا لا يدوم.. وهكذا نتعلم متأخرين أن إرضاء الناس… كان الوهم الذي سرق أعمارنا.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم