صباح اليوم|أقلام حرة

شعب المهمشين..

Screenshot_20261015-220404_Google

عادل عزيزي

نحن شعب المهمشين، لا يذكرنا أحد، لا يشعر بأوجاعنا أحد، لا يلمس اشتياقنا أحد، مثل الطيور نبحث عن رزقنا يوما بيوم، أحلامنا صغيرة، أدواتنا بدائية، نحن إخوة “الطين”، والمهن الصعبة، نعمل هنا، لنستر عوراتنا هناك..، لا أذكر من أنا إلا عندما يهرول إلي طفلي الصغير مناديا “بابا جا”..

عزت النفس، هي رأس المال.. وهي كل البأس.. يحتضنها منذ ساعات الفجر، يجلس على “الرصيف” فداء للرغيف، ينتظر رزقا قد يأتي من طريق لا يعرفه.. لا يتعفف عن أي عمل، فهو هنا فقط ليعمل، لو صار انتقائيا لخان عهدته.. يحني ظهره للطوب والرمل كي لا يحني ظهره للعوز.. يحفر ليرتقي.. ويهدم ليبني.. فله عائلة صغيرة هناك.. ولا يعرف ماذا يخبئ الزمن لأبنائه..

صحيح أن زجاج هاتفه “مشعور”، لكنه أبدأ لا يفتر الشعور، يكلم الزوجة والأبناء كل مساء، يختار تطبيقا مجانيا ومكانا هادئا قرب السكن، ماذا أكلتم؟ كيف مضى يومكم؟ ويسأل عن سير “المذاكرة”، أما أنا فبخير، المهم أنتم.. “ما تشغلوش بالكم”.. بأمان الله..، هذا هو دندنه كل يوم..

يخلع ملابسه المتعبة، يعلقها على مسمار في الجدار، وينام تحت ظلها في الغرفة المكتظة بالتعب، ملابسه التي قضى النهار بها، هي فزاعة لطيور الخوف، والوساوس، والفتور، والقلق، وهي جلد الغد الذي لا يتألم.. يضع كفه الخشن تحت خده وينام، بانتظار فجر آخر، ويوم آخر، ورزق آخر..
نحن شعب المهمشين، حمالو الإسمنت..، عمال البناء..، عمال النظافة..، الحراس..، الحمالة..، النجارون..، السباكون..، صباغو الجدران..، عمال المقاهي..، وكل الذين يخرجون مع الفجر بحثا عن لقمة عيش لا تنتظر..
نحن الذين نبيع عرقنا بسعر اليوم، ونؤجل أحلامنا إلى إشعار آخر، ونخفي تعبنا خلف عبارة “الحمد لله، بخير”..
نحن الذين لا يتذكرنا الساسة إلا عابرا، ولا تلتفت إلينا الأضواء إلا نادرا..، لكن رغم ذلك..، الحياة لا تستقيم من دون أيدينا المتشققة وظهورنا المنحنية..
نبني البيوت التي لا نسكنها..، وننظف الشوارع التي لا تذكر أسماءنا..، ونحرس ممتلكات الآخرين..، بينما نترك خلفنا عائلات تنتظر عودتنا..
نحن شعب المهمشين، لا نملك ترف الشكوى ولا رفاهية الاستسلام، نملك سواعدا تعمل..، وقلوبا تقاوم..، وأطفالا ينتظرون..
كل ما نرجوه من هذه الحياة ليس سلطة ولا مجدا، بل خبزا يحفظ كرامتنا، وعملا يصون إنسانيتنا، وغدا لا يضطر فيه أبناؤنا إلى تكرار حكايتنا..
هكذا نحن..
شعب المهمشين..
تتعدد الوجوه والمأساة واحدة..

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم