بقلم، عادل عزيزي
وأنا أنسج خيوط هذه الكلمات، يحضرني صدى أغنية جيل جيلالة “السفينة”، بمطلعها الذي يشبه تنهيدة جماعية” لله يا سفينة فين غاديا بينا” ليست سفينة من خشب ومسامير، بل قدرا عائما في بحر مضطرب، بلا مرسى واضح ولا نجمة تهدي خطاها،كلما ماجت بها المياه واشتد اضطرابها، ازدادت البوصلة ارتباكا، وتاهت المعالم في ضباب الأفق، وتسلل القلق إلى القلوب في انتظار يابسة قد تطول غيبتها.
وهنا يشتد المشهد قتامة، فتأتي المشاهب كأنها مصباح يرتجف في ليلٍ كثيف، لتقول “السائق تالف والراكب خايف” عبارة تختصر الحكاية كلها؛ قائد تتنازعه الحيرة، وركاب تنهشهم الرهبة، ووجوه شحب لونها من فرط الانتظار، السفينة عائمة، نعم، لكنها في عوم يشبه الغرق المؤجل، كجسد يطفو لا لأنه قوي، بل لأنه لم يحسم بعد قرار سقوطه.
وفي الخلفية، تصدح ناس الغيوان في “الشمس الطالعة”، “ركبو على الكلام وقالوا زيدو لكدام” كلمات تنثر مثل طوق نجاة من ورق، خطب ترفع كأشرعة مثقوبة، ووعود تعلق على صارية أكلتها الملوحة، لا أحد يمسك بالدفة حقا؛ الجميع يتقن فن الحديث عن الاتجاه، لكن البحر لا ينخدع بالبلاغة، ولا الموج يلين للشعارات.
ومن قاع المشهد، يتراءى صوت العربي باطما كأنه خارج من جوف الموج، يسأل الربان ببحة العياء “فين غادي بيا خويا…” سؤال تبقى الأيام القادمة كفيلة بالإجابة عنه..
السفينة يتقاتل عليها الناجون قبل أن ينجوا، كل يمد يده إلى نصيبه من الحطام قبل وقوعه، وكل يرسم خطة خلاصٍ تبدأ من جيبه وتنتهي عند كرسيه، لا أحد يطرح سؤال التضحية، لأن التضحية في عرفهم خسارة، والخسارة عار لا يحتمل.
هكذا يصبح الركاب البسطاء أكياس رمل تلقى لتخفيف الحمولة، وصغار السفينة وقودا لاستمرار الرحلة، يقال لهم إن النجاة تقتضي أن يقفزوا، أن يصبروا، أن ينتظروا، أن يرددوا الأدعية في حلقة جنائزية مفتوحة على البحر. أما الكبار، فلا يطلب منهم سوى التمسك بصناديق ذهبهم، حرصين كل الحرص على ألا تضيع الحمولة من تحت بطون أثقلها الشبع وأرهقها الخوف من الفقد.
ومع ذلك، لا تغرق السفينة تماما، كأن للمحيط قلبا خفيا، كلما لامست القاع دفعها برفق إلى السطح لتواصل التأرجح، تعود فتطفو، لا لأنها أصلحت شراعا أو أصلحت دفة، بل لأن البحر منحها مهلة أخرى، مهلة يتجدد فيها الصراع، ويعاد فيها تدوير الكلام، ويسوق الوهم باعتباره خطة خروج من العتمة.
الركاب المتعبين، أنهكتهم المجاديف وثقل الانتظار، لم يعودوا يملكون قوة التجديف، ولا رفاهية القفز، ولا يقين الشاطئ، يعيشون المحنة كأنها قدر دائري، كلما ظنوا أننهم اقتربوا من اليابسة، عادت الدوامة لتبتلع الأفق.
إلى أين تمضي السفينة؟
قد يبدو السؤال عبثيا كما في أغنية جيل جيلالة، لكن جواب المشاهب يظل يرن في الأذن “راك غادي للحافة… راك غادي للخسران”.
ولعل الخسران الأكبر ليس الغرق، بل أن نظل عائمين بلا اتجاه، نؤجل السقوط ولا نمتلك شجاعة النجاة، نغني للموج بدل أن نكسر قيوده، ونقرأ اللطيف على أرواحنا ونحن ما زلنا أحياء..
السفينة إلى أين، السايق تالف والراكب خايف…؟؟؟


تعليقات الزوار
0