صباح اليوم|أنشطة عامل إقليم تاونات

كرة القدم بتاونات بين تعدد الأندية وحلم الصعود، أين يكمن الخلل؟

358eedb5-7513-4ffa-af55-a1cf6c2b729c


في مدينة صغيرة بحجم تاونات، يطرح وجود ثلاثة أندية لكرة القدم، الاتحاد، الوفاق والنجوم، أكثر من علامة استفهام حول كيفية تدبير الشأن الرياضي المحلي، وحول الخلفيات التاريخية والاجتماعية التي أفرزت هذا التعدد في حيز جغرافي ضيق.
ورغم الرصيد الذي راكمته بعض هذه الفرق، وفي مقدمتها الاتحاد الرياضي التاوناتي، فإن غياب رؤية موحدة واستراتيجية بعيدة المدى جعل كرة القدم بالمدينة تعيش حالة من التشتت، انعكست بشكل واضح على النتائج، حيث تتمركز جميع الفرق في أقسام متأخرة لا تليق بتاريخ المنطقة ولا بتطلعات جماهيرها.
ولعل المفارقة الصارخة تكمن في أن الاتحاد الرياضي التاوناتي سبق له أن جاور أندية عريقة في أقسام الصفوة، وواجه فرقا من حجم الاتحاد القاسمي ونهضة بركان، في مرحلة كانت فيها الكرة التاوناتية أكثر حضورا وتنافسية، غير أن غياب الاستمرارية في التسيير والتخطيط، وبعض الأحيان العشوائية، أدى مع مرور الوقت إلى تراجع الفريق ونزوله التدريجي.
من الناحية النظرية، يشكل تعدد الأندية مؤشرا إيجابيا على حيوية النسيج الرياضي واهتمام الساكنة باللعبة الأكثر شعبية، غير أن هذا التعدد، في ظل محدودية الموارد والبنيات التحتية، يطرح إشكالية كبرى في توزيع الدعم واستثمار الطاقات، ففي مدينة تتوفر أساساً على ملعب واحد يحتضن مباريات وتداريب الفرق الثلاثة، تصبح مسألة البرمجة خاضعة لتوازنات دقيقة ومرهقة، ناهيك عن تشتيت مصادر التمويل التي تعتمد في الغالب على منح الجماعة الترابية المحدودة أصلاً، ما يؤدي إلى تبديد الإمكانيات بدل تجميعها في إطار مشروع رياضي موحد قادر على المنافسة جهوياً ووطنياً.
إن هذا التعدد في ظل ضعف الإمكانات المالية والبشرية، حول المنافسة المحلية في كثير من الأحيان إلى عامل إنهاك وتوتر بدل أن تكون دافعا للتطوير، حيث تتكرر نفس الإكراهات من غياب التجهيزات وصعوبة الحفاظ على الاستقرار التقني والإداري.
ويرى متتبعو الشأن المحلي أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في عدد الفرق بحد ذاته، بل في غياب التنسيق وفي ضعف الحكامة الرياضية التي لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل قطاعاً يحتاج إلى احترافية وشراكات مؤسساتية ورؤية تراهن على التكوين القاعدي.
وفي مقابل هذا الطرح، يعتبر آخرون أن التعدد قد يشكل فرصة ذهبية إذا ما تم توجيهه نحو التخصص وتقسيم الأدوار، كأن يركز أحد الأندية على الفئات الصغرى، وآخر على التكوين الأكاديمي، وثالث على تمثيل المدينة في أقسام المنافسة العليا، ضمن تنسيق يضمن تكامل الأدوار بدل تصادمها السلبي.
إن مشروعا كرويا موحدا لا يعني بالضرورة إلغاء الهويات أو تذويب التاريخ، بل يقوم على تجميع الطاقات والموارد لإنشاء مدرسة تكوين حقيقية قادرة على صقل المواهب المحلية ومنح المدينة وزنا أكبر داخل المنافسات الوطنية، مما يعزز فرص استقطاب المستشهرين الذين يبحثون دائما عن مشاريع واضحة المعالم وقوية القاعدة.
إن الرهان الحقيقي لمستقبل كرة القدم في تاونات لا يرتبط بعدد الأندية بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على الاشتغال وفق مشروع رياضي يجعل من الرياضة رافعة للتنمية المحلية، وفضاء لاكتشاف الطاقات الشابة بعيدا عن الصراعات الضيقة أو الحسابات المرحلية.
وبين استمرار الوضع الحالي بتحدياته المالية والتنظيمية، وبين ضرورة الانفتاح على مبادرات للتقارب أو الاندماج، يبقى السؤال معلقا حول قدرة الفاعلين الرياضيين بالمدينة على تغليب المصلحة العامة، لمنح تاونات فريقا واحدا قويا قادرا على إعادة كتابة تاريخ كروي يليق بطموحات أبنائها.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫‫من شروط النشر : :عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي صباح اليوم