عادل عزيزي
في عالم تتقاطع فيه القناعات وتتصادم فيه الرؤى، كثيرا ما نقف حائرين أمام سلوكيات الآخرين التي لا تشبه ما نشأنا عليه ولا تنسجم مع ما نراه صوابا، غير أن الإنسان، بطبيعته، يميل إلى اعتبار قيمه مقياسا لما يجب أن يكون، وينسى أن هذا المقياس صيغ داخل بيئة محددة وبفعل ظروف خاصة، ومن هنا تولد المفارقات، وتتكاثر الأحكام المسبقة، ونجد أنفسنا أسرى منظومة فكرية نعتقد أنها الحقيقة المطلقة، هذه القصة التي نرويها اليوم ليست مجرد حكاية رمزية؛ إنها مرآة تعكس كيفية رؤيتنا للواقع، وتدعونا إلى التفكير في معنى الاختلاف وإلى أي مدى يمكن أن يكون مصدر غنى لا مصدر خلاف.يحكى أن حافلة كانت تقل مجموعة من العلماء لدراسة الحياة البرية في إحدى القرى النائية، ولما صارت الحافلة على مشارف تلك القرية انقلبت، ورحل كل من فيها!فأصدرت بلدية القرية قرارا يقضي بدفن جميع العلماء في القرية تخليدا لذكراهم، على أن تفتح باب المقبرة لذويهم يوما في الأسبوع إذا رغبوا بزيارتهم. وصادف أن دفن عالم فرنسي بجوار عالم هندي، وكان لكل منهما قريب لا يتخلف عن زيارة قبر قريبه كلما فتحت المقبرة بأهلها في اليوم الموعود. كان الفرنسي يحضر متأبطا باقة ورد يضعها على قبر قريبه، وكان الهندي يحضر على هيئة زاهد يحمل صحن أرز ويضعه على قبر قريبه أيضا. ودارت الأيام، وهما على هذه الحال إلى أن أراد الفرنسي أن يسخر من الهندي وقال له: “متى سيقوم قريبك ليأكل صحن الأرز؟!”نظر الهندي إلى الفرنسي بهدوء وقال له: “عندما يقوم قريبك ليشم باقة الورد!” الشاهد في القصة أننا نادرا ما نرى حياتنا وفق قيم ومعتقدات وعادات وقناعات أنشأناها وتربينا عليها حتى غدت جزءا من منظومتنا الفكرية، هذا إن لم تكن منظومتنا الفكرية كلها، فما الإنسان غير حزمة قيم ومعتقدات وعادات!وبالتالي فإننا نحكم على سلوكيات وتوجهات الآخرين منطلقين من معتقداتنا ومنظومتنا الفكرية، فما وافقها كان صائبا، وما خالفها كان خاطئا!المرحلة الأولى قد تخبر أن باقة الورد على قبر الفرنسي أجمل من صحن الأرز على قبر الهندي، ولكنك لو تأملت الحادثتين بموضوعية فستجد أن باقة الورد الفرنسية ليست إلا صحن أرز هندي بأسلوب حديث!إننا لا نعيش وحدنا على هذه القطعة من الجغرافية الواسعة، هناك آخرون يروننا غريبي الأطوار لأن منظومتهم الفكرية تختلف عن منظومتنا الفكرية، ونحن نراهم كذلك لذات السبب! أسهل طريقة لفهم سلوكيات الآخرين هو فهم العقلية التي أنتجتها!أنا هنا لا أدعو لأن نتنازل عن مبادئنا وأفكارنا وقيمنا إرضاء للآخرين، وحبا لإنسانيتنا..على العكس تماما، أنا أريد أن نتمسك بكل ما سلف، ولكن في طريقنا لفعل هذا علينا أن نفهم أن المختلفين عنا لهم قناعاتهم لهم توجهاتهم و أفكارهم يدافعون عنها ايضا، وأننا لو عشنا ظروفهم وحياتهم لكنا نسخة عنهم. إننا نتخذ من عاداتنا وأفكارنا أداة قياس نقيس بها عقول الآخرين، فالإنسان عندنا هو إنسان بقدر ما يشبهنا، وهو ليس كذلك بقدر ما يختلف عنا، تتنوع العادات لأن الثقافات تتنوع، وهذا دليل عافية، ولولا تنوع الأذواق لفسدت السلع كما يقول ابن خلدون.فباقة الورد الفرنسية هي ذاتها صحن الأرز الهندي ولكننا نتقبلها أكثر لأنها تروق لحسنا وذوقنا العصري!إن فهم اختلافات البشر ليس دعوة للتخلي عن قيمنا ولا لمسايرة كل ما حولنا، بل هو خطوة نحو إدراك أكثر نضجا للواقع الذي نعيش فيه، فكما لا يمكن لباقة الورد أن تنفي صحن الأرز، لا يمكن لثقافة أن تقصي أخرى لمجرد أنها لا تشبهها.نحن جميعا ضيوف على هذه الجغرافية المنسية، نحمل معنا تراثنا وذكرياتنا وطريقتنا الخاصة في التعبير عن الأفكار و القيم التي نؤمن بها، وإذا ما استطعنا النظر إلى الآخرين بعين الاختلاف لا بعين الخلاف والحكم، سنكتشف أن الاختلاف ليس تهديدا، بل نافذة نطل منها على اتساع العالم وجمال تنوعه.في النهاية، ما يربط البشر حقا ليس تشابه عاداتهم، بل قدرتهم على فهم أن لكل زهرة ولـكل حبة أرز معنى في قلب من يضعها.


تعليقات الزوار
0